الشريف الرضي
50
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
إلى من عادته التزهيد ، وهو الله تعالى ، وأي تزهيد أعظم من قوله سبحانه عقيب هذا الكلام : ( ذلك متاع الحياة الدنيا ) وقوله تعالى في موضع آخر : ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) ( 1 ) ، فخبر سبحانه أن الحياة الدنيا ظل زائل ، وسنان مائل ، وخضاب ناصل . 3 - وقول آخر . قال بعضهم : خلق الله هذه الأشياء إذ خلقها ، ليدل بما فيها من النعيم الفاني على ما في الآخرة من النعيم الباقي ، وجعل طباع الخلق منازعة إليها وراغبة فيها ، فهي مزينة من هذا الوجه الذي ذكرناه ، وإنما تزيينها المذموم هو تحسين الاقدام عليها من الوجه المحظور ، والله سبحانه قد أمر عباده بالكف عنها والترك لها ، لينالوا بترك الاقدام على شهواتهم العاجلة ما وعدهم به من النعم الآجلة ، والنعيم الدائم الذي لا شوب فيه ولا انقطاع له ، كما قال تعالى : ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) ( 2 ) ، وهذا ناطق بالغرض الذي ذكرناه ، وكذلك خلق سبحانه المصائب والآلام في الدنيا ، ليدل بها على ما في الآخرة من مقادير العقاب ومآلم العذاب ، فيكون ذلك زاجرا عن مواقعة الخطيئات وارتكاب المحظورات ، وعلى هذا فسر قوله سبحانه في صفة النار : ( نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين ) ( 3 ) ، فكأنه سبحانه قال : إنما خلقنا النار في الدنيا وعرفنا أليم وقعها ، ومضض لفحها ، لنذكر بذلك نار الآخرة ، التي أوعدنا بها الكفار والعصاة ، فيكون الزجر أبلغ . والانزجار
--> ( 1 ) آل عمران : 185 . ( 2 ) الكهف : 7 . ( 3 ) الواقعة : 73 .